الغزالي
198
فضائح الباطنية
نعم ! قال : « وأعمال تخاف عليهم بها الهلكة ؟ » قال : نعم . قال : فانظر ما رجوت لهم فأته وما خفت عليهم فاجتنبه ! قال : قد أبلغت وأوجزت . وقد حكى أن أبا بكرة « 1 » دخل على معاوية فقال : اتق الله يا معاوية ! وأعلم أنك في كل يوم يخرج عنك ، وفي كل ليلة تأتى عليك لا تزداد من الدنيا إلا بعدا ، ومن الآخرة إلا قربا ، وعلى أثرك طالب لا تفوته ، وقد نصب لك علم لا تجوزه ، فما أسرع ما يبلغ العلم ، وما أقرب ما يلحق بك الطالب ! وإنا وما نحن فيه زائل ، والّذي نحن صائرون إليه باق : إن خيرا فخير ، وإن شرا فشر . ومنها : أن تكون العادة الغالبة على والى الأمر العفو والحلم وحسن الخلق وكظم الغيظ مع القدرة ، فقد حكى أنه حمل إلى أبى جعفر رجل قد جنى جناية فأمر بقتله ، فقال المبارك « 2 » بن فضالة وكان حاضرا : يا أمير المؤمنين ! ألا أحدثك حديثا سمعته من الحسن ؟ قال : وما هو ؟ قال : سمعت الحسن رحمه الله يقول : « إذا كان يوم القيامة جمع الناس في صعيد واحد فيقوم مناد ينادى : من له عند الله يد فليقم ، فلا يقوم إلا من عفا » . فقال : خلوا عنه . وحكى عن عيسى بن مريم صلى اللّه عليه وسلم أنه قال ليحيى بن زكريا صلى اللّه عليه وسلم : إذا قيل لك ما فيك فأحدث لله شكرا ، وإذا قيل ما ليس فيك فأحدث لله شكرا أعظم منه ، إذا تيسرت لك حسنة لم يكن لك فيها عمل . وروى أبو هريرة أنه صلى اللّه عليه وسلم قال : « ليس الشديد بالصّرعة « 3 » إنما الشديد الّذي يملك نفسه عند الغضب » وحكى أن رجلا أتى إلى رسول الله صلى اللّه عليه وسلم فقال : يا رسول الله ! إن خادمي يسئ ويظلم أفأضربه ؟ قال : تعفو عنه كل يوم سبعين مرة . وروى عن علي
--> ( 1 ) المقصود عبد الرحمن بن أبي بكرة ، أول من ولد بالبصرة ، وقد توفى سنة 101 ه . ( 2 ) المبارك بن فضالة البصري ، مولى قريش ؛ محدث روى عن الحسن البصري وبكر المزنى وطائفة ؛ وكان من كبار المحدثين والنساك ، توفى سنة 164 ه . ( 3 ) الصرعة ؛ كهمزة : من يصرع الناس كثيرا .